البحث في الموقع

مقابلة مارسيل

04-08-2020 1106 مشاهدة
 
 
 

بزمانو عام 2008 غنى مارسيل خليفة في حلب 

كتبت بعد الحفلة مقالة بعنوان : "مقابلة مع مرسيل" 

واليوم عنّت على بالي :

عندما سمعت أن مارسيل قادم إلى مدينتي …انتابني شعور غريب بالحنين إلى سنوات الدراسة الجامعية .. المشاعر الوطنية الصامتة .. المشاعر العاطفية الصارخة …

كم تمنيت أن أُحب فتاة اسمها ريتا …فقط كي أترنم لها ( بين ريتا وعيوني بندقية )..

لم يكتب لي الله أن أحضر حفلة فيروز في دمشق ..كم شعرت بالحنق والغضب والاضطهاد ..فيروز لن تغني بحلب ..ربما لم يعد في العمر ما يكفي لأن أقابلها ثانية ..

و عندما جاء زياد إلى دمشق ورغم محبتي الكبيرة له ..لم أشعر بالرغبة بالسفر خصيصا كي أراه .. كما فعل بعض أصدقائي وعادوا بشعور لا يعوض ..

عندما نزلت من درج المكتبة الوطنية ..فوجئت بمجموعة كبيرة من الشباب الصغار يتحلقون حول طاولة صغيرة جدا , موضوعة بشكل هامشي مؤقت قرب باب مبنى المكتبة ، فوقها صورة كبيرة لمارسيل ..

اعتقدت أنها نقطة من عشرات نقط بيع بطاقات حفلة مارسيل، و لكن موعد الحفلة بعيد ولا بد أن أصادف الكثير من فرص شراء البطاقات ..

على كل حال ربما لم يعد هناك من يسمع مارسيل …

لقد مضت علي أكثر من عشر سنوات لم أضع خلالها  تسجيلاً بصوته ..

على كل حال سوف أشتري بطاقة مبدئياً وسأرى من سيذهب معي بعدها …

البطاقة بخمسمائة ليرة ..وللطلاب بمئتين وخمسين …..

بطاقة حفلة مارسيل بخمسمائة ليرة فقط.. وبطاقة حفلة تامر أو نظرائه بألف و ألفين ليرة ….

لا بد أن مارسيل لم يتقاضى أي مبلغ لقاء حضوره فمبلغ البطاقات لا يكاد يغطي المصاريف مع الاجور ..

هذا هو المتوقع من مارسيل ..لا ادري أين سمعت أن مارسيل من أغنى المغنيين العرب .. ضحكت يومها من هذا الخبر … ولكن لم لا ..

عندما قلت لأصدقائي أنّي حصلت على بطاقة لمقابلة مرسيل فهل يرغب احدهم بمقابلته معي .. أجاب أغلبهم ان نقطة بيع البطاقات الوحيدة هي في المكتبة الوطنية ، ومن الصعب النزول إليها خصيصاً للحصول على بطاقة .

لا بأس سوف أقابله لوحدي .. سنكون أنا ومارسيل لوحدنا فقط ..وهل أحتاج في حضور مارسيل الى أصدقاء ..

جهزت كاميرتي التي اشتريتها خصيصا لمناسبات مهمة كهذه .. قلبت البطاقة التي كتب خلفها ( يمنع اصطحاب اجهزة التسجيل و الكاميرا بأنواعها ) انهم يكتبون هذا دائماً ..وبعد بداية الحفل تخرج عشرات الكاميرات و أندم لانني لم اصطحب كاميرتي معي ..

ولكنه مارسيل ..هل ارتكب شيئا قد يزعج مارسيل ….

صبيحة الحفل نقل التلفزيون مقاطع من حفلة مارسيل في اللاذقية ..كنا أنا و ..هي… أمامه ..

قديما سألتني عندما ذكرت لها مارسيل .. هل مارسيل مغني ام مغنية ..

كان هذا السؤال يكفيني لأعتقد أن الجيل الجديد ..لم  تدمع  عيناه عند سماع صوت مارسيل ..لا بأس ..أغلب أحوال الجيل هكذا ..

لم يخطر لي أبدا ان أحصل على بطاقة لها لتحضر معي … ربما يشكل لها الحضور ازعاجا .. أنا أعرف انها كانت تتمنى حضور حفلات تامر حسني عندما كان في حلب …وكانت ترتعش مثلما ارتعش أنا عندما يُذكر مارسيل …

قالت بحزم : إن لم تأخذني معك إلى مارسيل سوف أتركك …إما أن نذهب سوية .. او لا تذهب أبدا ..
إما أنا أو مارسيل ..

سألت نفسي اذا خُيرت بينها وبين مارسيل ..فمن اختار ….

اتصلت بأحد عشاق مارسيل قال لي : وأين هي البطاقات …. لقد بيعت بطاقات حفلة اللاذقية في السوق السوداء بآلاف الليرات ..وأعتقد انه بعد سوق اللاذقية لا يمكن ان يُسمح بسوق سوداء في حلب ..

ماذا أفعل … هل أختارها هي ..أم اختار مارسيل ..

لنجري محاولة أخيرة ..مع شخص يضع على موبايله أغاني مارسيل ..

اتصلت به وسألته بحذر : هل أنت ذاهب للقاء  مارسيل .

أجابني: أمي في المشفى ولا أجرؤ ان أحضر مارسيل ..فهو قد يقول لي ( أعشق عمري….. لأني اذا مت …أخجل من دمع أمي ) .. لن أستطيع أن اذهب ..

سألته بخجل : هل توجد لديك بطاقة زائدة ..لم أجرؤ ان أقول له صراحة أعطني بطاقتك ..

– أجابني : تعال لعندي و سأدبر لك بطاقة من السوق السوداء ..أعتقد انهم يبيعونها بألفي ليرة .

هرعت اليه لم يبق على موعد الحفل – في الثامنة – إلا ساعة واحدة وعندما وصلت ..كانت بطاقة بانتظاري على طاولته ..أخرجت محفظتي ..

 قال لي : بطاقات مارسيل لا تباع ولا تشرى ..بعدين بيزعل مارسيل .. ………….

وصلت معها الى مدخل صالة الحفل قبل حوالي ثلاثة أرباع الساعة من موعد الافتتاح لم يبق في الصالة من مقاعد إلا الصف الأخير فقط ….لا بأس ….المهم أن أكون في مكان واحد معه ..سوف أغمض عيوني وأراه ..إن لم أستطع رؤيته ..

سمعت صوتا لم أرى صاحبته ترحب بالحضور وتعلن ان اسطوانات أصلية لمارسيل ستباع عند نهاية الحفلة ..سمعت صوتا من خلفي يقول : ( مجموعة كاملة لأغاني مارسيل بخمس وعشرين ليرة ..من هو الغبي الذي سيشتري اسطوانة اصلية )

تألمت لذلك  كثيرا .. فأنا عادة من أول المنادين بهذا المبدأ …

ولكن ربما يكون جزءاً من ريع الاسطوانات الاصلية يعود لمارسيل ..فهل أجرؤ أن أفعل ذلك معه …

الساعة الثامنة تماما ..أُطفئت الانوار ..وخرج البعض الى المنصة ..لا يمكن أن يكون مارسيل معهم .. فالساعة الثامنة فقط .. ولا يعقل أن لا يتأخر عن الموعد المذكور على البطاقة ..

كان مارسيل بكوفية خضراء ومعه العود ….

ضجت القاعة بالتصفيق … الحضور جميعا وقوفاً ..استمروا لدقائق .. لا بد ان يُسعد ذلك مارسيل ..

رحب مارسيل بحلب ..وغنى أغنية طويلة لدمشق … لا بأس يبدو انه لا يعرف الكثير عن الجمهور الحلبي …

أهدى الحفل للسجناء العرب في السجون الاسرائيلية .. قلت في نفسي ألم تعد هناك جرأة عند مارسيل ..

سرعان ما قال : و أهديها أيضا للسجناء العرب في السجون العربية …

طلب من الحضور الهدوء التام والاستماع لأغنية جديدة تحتاج للهدوء .. صمتت القاعة تماما وما أن باشر بالغناء الحنون ..حتى شق الصمت صفير حاد ..يا إلهي من هو المجنون الذي فعل ذلك ..هل بتنا أجلافاً لهذه الدرجة .. هل فعل ذلك ليلفت الانظار اليه ..

على يميني شاب و فتاة صغيرين ..يبدو انهما أخ و أخت ..الفتى في الخامسة عشرة ..يبدو أن الجيل الجديد يعرف مارسيل .. حرص الشاب في البداية على التصوير بموبايله …ثم انكب عليه منهمكا في مراقبة شاشته

أثار فضولي ..ماذا يراقب بهذا الانهماك ..

مططت رقبتي لأرى دودة خضراء ..تأكل ما يضعه الجهاز أمامها .. لتتقدم و تتقدم .. صعقت ..
لا بأس ربما تكون أخته قد أحضرته معها.. مجبراً ..كي يتسنى لها لقاء ما …

عندما طلب مارسيل من الحضور الصمت ..والسماح لكل ريتا في الصالة بالغناء ..تعالى صوت جوقة نسائية ملائكية .. لم أسمع في حياتي أجمل منه ..كانت الفتيات في الصالة يغنين ..( بين ريتا وعيوني ..بندقية )

أمامي جلس ثلاثة شبان ..بلحى طويلة .. ذكروني بأيام الجامعة .. والمدينة الجامعية .. ايام الالتهاب الوطني .. كانوا يرددون كلمات أغاني مارسيل عن ظهر قلب ..فجأة انحنى أحدهم نحو الاسفل منخفضا جدا متكوماً على نفسه .. ليتصاعد دخان سيجارة .. شعرت بالإهانة .. انه يدخن بحضور صوت مارسيل .. عشرات اللافتات تقول ممنوع التدخين في الصالة ..

قالت لي : هل يدخن الحشيش و لماذا يخفي نفسه بهذا الشكل ..

لا بأس ان يشعر بالخجل مما يفعله ..

بدأت أغني مع مارسيل ..أغمضت عيوني .. كي أكون معه وحدي .. شدني من الظلام صوت آخاذ يغني ورائي .. صوت جميل ..حنون .. يتقن ألحان مارسيل .. نظرت اليه لأميز بصعوبة في الظلام قطعة القماش البيضاء التي يضعها القساوسة حول ياقاتهم لتميزهم كأباء في الكنيسة ..

كم تمنيت ان أسأله .. عن كنيسته التي يرعاها .. كي أحضر فقط لأسمع صوته ..

عندما بدأت أميمة بالغناء كانت الملائكة تغني .. سألت نفسي عندما أقامت اميمة حفلة لوحدها منذ أشهر قليلة بحلب …في مسرح صغير نسبياً …حضر الحفل خمسمائة او أكثر .. و لم يكن لخبر حفلتها هذا الضجيج الذي يرافق ظهورها امام الآلاف في هذه الصالة .. لم أسمع صوتا أجمل من صوتها ..ولكن يبدو انها اختارت البقاء قرب مارسيل .

لم استطع أن أبقى لأرى مارسيل ينزل عن المنصة ..فالأنسحب بهدوء كي تبقى في ذاكرتي صورته وهو يغني أغنيته الاخيرة ( يابحرية هيلا هيلا ) .

ولأبحث بين الاسطوانات الأصلية المعروضة في الخارج عن غنائية أحمد العربي التي سمعتها لأول مرة بصوت خالد الهبر ..وسمعتها ثانية بصوت مارسيل ..

عندما رأتني أكتب .. قالت لي : لا تنسى ان تكتب عمن كانوا لا يعرفون مارسيل .. وعشقوه في هذه الحفلة …

شارك الموضوع مع اصدقائك !!
 
لمتابعة أحدث منشورات دار الوثائق الرقمية التاريخية على شبكات التواصل الاجتماعي :
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  مدونة المحامي علاء السيد

15-09-2020 1854 مشاهدة
جرجي زيدان والماسونية

لم يثر رجل الجدل كما أثاره جرجي زيدان، فمنهم من اعتبره باحثاً وأديباً وصحفياً موسوعيا ومجدداً في إسلوب الطرح التاريخي، ومنهم من اعتبره مخرباً مزوراً للتاريخ عامة وللتاريخ الإسلامي خاصة  المزيد

19-08-2020 1623 مشاهدة
عندما هاجم البرلمان السوري نزار قباني 

في بدايات نزار قباني الشعرية في عام 1954 وكان حينها موظفا في السفارة السورية في لندن نشر قصيدته (خبز وحشيش وقمر) في مجلة الآداب اللبنانية , كانت القصيدة غاية في الجرأة بالنسبة لذلك الزمن ولم يكن نزار شاعرا معروفا حينها  المزيد

08-08-2020 1542 مشاهدة
ملابسات إصدار قانون تنظيم البغاء في سوريا عام 1933م - سلسلة انجازات الانتداب الفرنسي - الحلقة الأولى

تتناول هذه المقالة "المنجز" الفرنسي بتنظيم مهنة الدعارة وترخيص بيوتها و حق كل امرأة بلغت سن ال 21 أن تجعل هذه المهنة حرفة دائمة لها وتأتي هذه المقالة بمناسبة اطلاق النداءات من بعض اللبنانيين لعودة الانتداب الفرنسي على  المزيد

02-08-2020 1701 مشاهدة
عندما كان في حلب جزيرة وسط الماء

أخبرني الدكتور رياض بدرة أن جده المرحوم جرجي كسبار بالي صباغ كان يعمل بصباغة الخيوط وفي عام 1920م تم إخراج المصابغ من داخل أحياء حلب القديمة بقرار من البلدية  المزيد

17-07-2020 1029 مشاهدة
ما لم يذكر عن قصة بناء جامع ومدرسة الخسروية بحلب

خسرو باشا هو من مواليد عام 1480م واسمه هو تصحيف لاسم "كسرى"، تلفظ الواو بالتركية فاء فيقال خسرو باشا أو خسرف باشا، والد خسرو باشا في المراجع العثمانية هو الوزير فرهاد باشا  المزيد

12-06-2020 1336 مشاهدة
هل يعتبر سوق باب النصر أهم تجاريا وتاريخيا من أسواق المدينة الشهيرة بحلب ؟

يتم العمل على وضع اللمسات الأخيرة لمشروع ترميم سوق باب النصر الشهير باسم سوق الخابية والذي تموله منظمة undp  ، وينفذ أعمال الترميم شركة المهندس باسل الظاهر، باشراف الجهات الأثرية والبلدية المختصة.  المزيد

09-06-2020 1568 مشاهدة
عندما كانت ضفاف قويق تلامس نوافذ بيوت باب إنطاكية وباب جنين

يندر من يتذكر عندما كان نهر قويق ينطلق من الحديقة العامة ليجتاز ساحة سعد الله الجابري ثم يتوجه شرقا باتجاه باب جنين وتلامس ضفافه -التي تقوم عليها ناعورة حلب- الابنية في منطقة باب جنين وباب إنطاكية ، هذين البابين اللذين كان  المزيد

28-05-2020 2783 مشاهدة
قصة ملكية عبد الرحمن محوك لفندق بارون

كثر الحديث عن ملكية المرحوم عبد الرحمن آغا محوك لفندق بارون وأن آل مظلوميان ليسوا المالكين وأن ملكية ورثة عبد الرحمن محوك ثابتة بالقيود العقارية ولكن هناك من يقوم بالتمويه على الموضوع  المزيد

 

أكثر الكتب مشاهدة

 
 

أكثر الفيديو مشاهدة

 
 

أكثر المقالات قراءة

15-09-2020 1854 مشاهدة
جرجي زيدان والماسونية

لم يثر رجل الجدل كما أثاره جرجي زيدان، فمنهم من اعتبره باحثاً وأديباً وصحفياً موسوعيا ومجدداً في إسلوب الطرح التاريخي، ومنهم من اعتبره مخرباً مزوراً للتاريخ عامة وللتاريخ الإسلامي خاصة  المزيد